عبد الباقي مفتاح

124

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

تعلم وتعقل وتظهر آثارها ولا عين لها من خارج . كذلك الطبيعة تعطي ما في قوتها من الصور ولا وجود لها من خارج فما أعجب مرتبتها وما أعلى أثرها فهي ذات معقولة مجموع أربع حقائق يسمى أثرها في الأجسام حرارة ويبوسة وبرودة ورطوبة كالحياة والعلم والإرادة والقول في النسب الإلهية . فالحياة تنظر إلى الحرارة والعلم ينظر إلى البرودة والإرادة تنظر إلى اليبوسة والقول ينظر إلى الرطوبة . والطبيعة تعطي من أنفاس العالم ما تقع به الحياة في الأجسام من نمو وحس لا غير ذلك . وأما حياة العلم فمن عين النور الإلهي والنفس الرحماني . ولما كان لها وجود أعيان الصور كان لها من الحروف العين لأن الصور الطبيعية لا روح لها من حيث الطبيعة وإنما أرواحها من الروح الإلهي . وكان لها وجود الثريا وهي سبع كواكب لأن الطبيعة في المرتبة الثالثة وهي أربع حقائق فكان من المجموع سبعة وظهرت عنها الثريا وهي سبعة أنجم ، كما كان للعقل ثلاث نسب ووجوه فوجدت عنه الكثرة وظهرت عنه الشرطين ثلاثة أنجم والنفس مثل العقل في ذلك وظهر عنها البطين ثلاثة أنجم ومن كون النفس ثانية كان البطين في المرتبة الثانية من الشرطين . وعن هذه السبعة التي ظهرت في الطبيعة ظهرت المسبعات في العالم وهي أيضا السبعة أيام في الجمعة . والطبيعة لا تثبت على حالة واحدة في الصور فلا سكون عندها . ولهذا فالاعتدال في الأجسام الطبيعية العنصرية لا يوجد ولو كانت الطبيعة تقبل الميزان على السواء لما صح عنها وجود شيء ولا ظهرت عنها صورة . بل لا بد من ظهور بعض حقائقها على بعض لأجل الإيجاد ولولا ذلك ما تحرك فلك ولا سبح ملك ولا وصفت الجنة بأكل وشرب وظهور في صور مختلفة ولا تغيرت الأنفاس في العالم جملة واحدة . وأصل ذلك في العلم الإلهي كونه تعالى كل يوم هو في شأن واليوم الزمن الفرد والشأن ما يحدث اللّه فيه فمن أين يصح أن تكون الطبيعة معتدلة الحكم في الأشياء وليس لها مستند في الإلهيات ) انتهى . وهكذا ظهرت الكلمة النوحية في فص الطبيعة فظهر عدم الاعتدال في إدراك الحقائق عند أمته . فغلب عليها التشبيه فكانوا أول أمة عبدت الأصنام وقالوا : لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ( نوح ، 23 ) فهذه خمسة أصنام لهم جعلوها على صور خمسة رجال صالحين وظنوا أنهم يتقربون إلى اللّه تعالى بعبادتهم . وعددهم على عدد الأركان الطبيعية ومظاهرها العنصرية أي : النار والهواء والماء والتراب والركن الخامس الذي هو أصل هذه الأربعة ويسميه البعض : الأثير ، ويسميه آخرون الأم الأصلية كناية عن الطبيعة . وهو الاسم الذي اختاره الشيخ حيث يقول في الباب 11 من الفتوحات ما خلاصته : ( فالأرواح كلها آباء والطبيعة أم لما كانت محل الاستحالات . وجاء شرعنا أكمل الشرائع حيث جرى مجرى الحقائق